محمد بن وليد الطرطوشي
496
سراج الملوك
فإن قيل : قدر روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل » « 1 » . قلنا : أليس قد قال : اعقلها وتوكل ؟ وظاهر بين درعين وسائر ما ذكرناه آنفا ؟ فإن قيل : فما الجمع بين ذلك ؟ قلنا : معناه ؛ من استرقى واكتوى متّكلا على الرّقية والكيّ ، وأنّ البرء من قبلهما خاصة ، فهذا يخرجه من التوكل ، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله تعالى ، فأما من باشر الأسباب والأدوية ، وتعاطى تدبير الأمور بنفسه وأعوانه وماله ، على ما جرت به سيرة الله تعالى في أرضه ، وعادته في خلقه ، غير معتمد على شيء من ذلك ، بل هو واثق القلب أنّ ما حصل فبتقديره ، وما تعسر فبتقديره ، معتمدا في ذلك على المسبّب لا على الأسباب ، فهذا هو المتوكّل ، لكن شرطه أن يمشى في ذلك كله مع الأثر « 2 » ، ولا يسلك طريقا فيه معصية ، فليس يستدرج « 3 » ما عند الله بمعاصيه . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : من ابتغى أمرا بمعصية الله كان أبعد لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى . ومن ظن أن الطلب والاكتساب يناقض التوكل ، فقعد في بيته وأغلق بابه متكلا على الله تعالى في زعمه ، كان عن العقل خارجا ، وفي تيه الجهل والجا « 4 » ، ويقال له : قبحت يا هذا ، إذ جعت وحضر الطعام ، فهو إلى الطعام أحوج منه إلى المعرفة ، وينبغي لأهله ان يداووه . ألا ترى أن الله تعالى قال لمريم « 5 » : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [ مريم : 25 ] فهلّا أمرها بالسّكون ، ثم حمل الرطب إلى فيها ؟
--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن المغيرة والحديث صحيح ( الجامع الصغير للسيوطي رقم 8507 ) . ( 2 ) الأثر : ما أثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أو صحابته من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية وخلقية ، وفي ( خ ) الأمر . ( 3 ) يستدرج : يؤخذ بالتدريج . ( 4 ) التيه : الضياع ، والجا : داخلا . ( 5 ) مريم العذراء أم عيسى عليه السلام ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة مريم .